النحو الوظيفي : مفهومه ونشأته

النحو الوظيفي : مفهومه ونشأته

أ‌- المقدمة
الحمد والشكر لرب العالمين، على ما يسر لنا من النعم، وهيأ لنا من العمل الكريم، وما وهبنا من الطمأنينة والرضا بجميع ما تيسر، وما وفقنا فيه من خدمة العلم وأصحابه ومحبيه. والصلاة والسلام التامان الأكملان على سيدنا محمد، رسول الحق والهداية، والشكر لسائر العلماء اللغويين عاما والنحاة خاصة بما أسسوا وجاهدوا علوم اللغة العربية، حيث تركوها لنا تراثا نافعة، حتى سهل لنا أن نتعلم اللغة العربية.
وبالنسبة إلى اللغة العربية كلغة القرآن، غير أن الرسول من العرب، فإن لها مزايا ما ليست في اللغات الأخرى. عرفنا أربع اللغات المشهورة في العالم تؤثر حياة الناس: اللغة سنسكريتية، واللغة اليونانية، واللغة اللاتينية، واللغة العربية. ولا تستخدم تلك اللغات في عصرنا الحاضر استخداما جيدا إلا اللغة العربية. بجانب أنها لغة القرآن، فإن من أسباب بقاء استخدام العربية إلى الآن لما فيه من العوامل اللغوية الداخلية.
إن اللغة العربية لغة منظمة مليئة بالقواعد اللغوية، فتولدت من ذاتها العلوم المتنوعة المجموعة في الوقت الحاضر بالعلوم العربية. منها علم النحو.

ب- مفهوم النحو الوظيفي
النحو لغة هو الطريق، والجهة، والقصد، والقسم، والبعض. قال إمام النووي: معنى “تَنَحَّى” هو قَصَدَ، ويقال: تنحيت الشيئ وانتحيته ونحوته إذا قصدته، ومنه سمي علم النحو؛ لأنه قصدُ كلام العرب.
وأما النحو اصطلاحا، كما عرفه ابن جني: هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره، كالتثنية والجمع، والتحقير والتكسير، والإضافة، والنسب، والتركيب وغير ذلك؛ ليلحق من ليس بأهلها في الفصاحة، فينطق بها، وإن لم يكن منهم، أو إن شذّ بعضهم عنها رد به إليها، وهو في الأصل مصدر شائع، أي نحوْتُ نحواً، أي قصدتُ قصدا.
يؤكد ابن جنـي أهمية الإعراب حين يقول: “ألا ترى أنك إذا سمعت: أكرم سعيدٌ أباه، وشكر سعيدا أبوه. علمت برفع أحدهما ونصب الآخر، الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجا (نوعا) واحدا لاستُبهم أحدهما من صاحبه.
ورأى ابن خلدون أن النحو هو علم يهدف إلى ضبط الملكة اللسانية بالقوانين المستقرأة. و هناك تعاريف عديدة عن النحو ولا تتسع الباحثة الوقت لتعبيرها كلها الآن، إلا ما كتبته.
تنقسم العلوم العربية إلى ثلاثة عشر، وهي: الصرف، والإعراب، و الرسم (العلم بأصول كتابة الكلمة)، والمعاني، والبياني، والبديع، والعروض، والقوافي، وقرض الشعر، والإنشاء، والخطابة، وتاريخ الأدب، ومتن اللغة. يفهم بذلك التقسيم أن العلوم العربية هي التي يتوصل بها دارس اللغة العربية إلى عصمة اللسان والقلم عن الخطاء. فمن هذا، أن أهم تلك العلوم هو الصرف والإعراب، إذ تدور فيهما وظيفة النحو الأساسية.
فإذن، النحو الوظيفي هو مجموعة القواعد التي تؤدي الوظيفة الأساسية للنحو، وهي ضبط الكلمات ونظام تأليف الجمل، ليسلم اللسان من الخطأ في النظق ويسلم القلم من الخطأ في الكتابة.
النحو الوظيفي يتركز في الكلمات العربية التي لها حالتان: حالة الإفراد و حالة التركيب. الأولى، لمعرفة المفردة، على أي وزن أو هيئة تكون، فهذا من موضوع علم الصرف؛ والثانية، يبحث عن تركيب الكلمات من رفع أو نصب أو جر أو جزم أو بقاء على حالة واحدة من غير تغير، وهذا من موضوع علم الإعراب.
الصرف هو علم بأصول تعرف بها صيغ الكلمات العربية وأحوالها التي ليست بإعراب ولا بناء. فهو يبحث عن الكلم من حيث ما يعرض له من تصريف وإعلال وإدغام وإبدال وبه نعرف ما يجب أن تكون عليه بنية الكلمة قبل انتظامها في الجملة. وقد كان قديما جزءا من علم النحو، بما أنه علم تعرف به أحوال الكلمات العربية مفردة ومركبة.
أما الإعراب (ما يعرف اليوم بالنحو) علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. أي من حيث ما يعرض لها في حال تركيبها. يعرف فيه ما يجب عليه أن يكون آخر الكلمة من رفع، أو نصب، أو جر، أو جزم، أو لزوم حالة واحدة، بعد انتظامها في الجملة. إن الإعراب هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولو لا الإعراب ما ميّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، ولا تعجب من استفهام، ولا نعت من تأكيد.

ج. نشأة النحو الوظيفي
تعددت روايات عن بداية علم النحو وأول من خطاه، ولكن أشهرها وأوثقها هاتان روايتان. أولهٰما: رواية عن قصة أبي أسود الدؤلي (ت 69هـ) لما دخل على ابنته في البصرة، فقالت: يا أبت، “ما أشدُّ الحرُّ”، متعجبة ورفعت “أشدُّ” فظنها مستفهمة، فقال https://www.cialissansordonnancefr24.com/acheter-cialis/ لها: شهر ناجر (صفر)، فقالت: يا أبت، إنما أخبرتك ولم أسألك. فأتى أبو الأسود علي بن أبي طالب قائلا: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب، يوشك إذا تطاول عليها زمان أن تضمحل، فقال له: وما ذلك؟ فأخبره خبر ابنته، فقال الأمير: هلم صحيفته، ثم أملى عليه: “الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى” ثم رسم أصول النحو كلها، فنقلها النحويون وفرعوها. وقيل إن عليا قال لأبي أسود: “أنح هذا النحو” فسمي هذا الفن نحوا.
والرواية الثانية، قيل أن أبا أسود دخل على زياد بن أبيه (ت 53هـ) بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون بكلامهم؟ فقال ابن أبيه: لا، فقام من عنده أبو الأسود ودخل رجل فقال له: أصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئا. ووضع أبي الأسود للنحو، أيده جمهور العلماء، والنحاة؛ والراجح، الرواية الأولى فهي أكثر ثقة وشهرة من الثانية.
ولكن هذا القول يخالف ما أورده الجاحظ، حيث قال أن تأسيس علم النحو قد بدأ من عهد خليفة عمر؛ فقد نسب إلى قوله، مشجعا على تعلمه: “تعلموا النحو كما تعلمون السنن والفرائض.
وقال بعض العلماء اللغويين أن النحو قديم عند العرب، أبتله الأيام ثم جاء الإسلام يجدده على يد أبي الأسود الدؤلي بإرشاد الخليفة الرابع، ويمثل هؤلاء العلماء، أحمد بن فارس القزويني الذي ذهب إلى أن علوم العربية من النحو ومصطلحاتها، والخط، والعروض كانت معروفة لدى العرب من قديم الزمان، ثم جاء الإسلام فجددها وبعثها من جديد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ منذ بداية خلق الإنسان: آدم عليه السلام. أكّد هذا الرأي الشيخ محمد الطنطاوي إن وضعه في الصدر الأول الإسلام، لأن علم النحو ككل قانون تتطلبه الحوادث وتقتضيه الحاجات، وكان وضعه في العراق لأنه على حدود البادية وملتقى العرب وغيرهم، توطئة الجميع لخراء الحياة فيه، فكان أظهر بلد انتشر فيه وباء اللحن الداعي إلى وضع النحو.
مهما يكون الأمر بشأن نقطة الابتداء، فإن العرب أخذوا يشعرون بحاحتهم إلى تدوين النحو حين كثر اختلاطهم بالموالي وأبناء الشعوب غير العربية بعد الإسلام، وهؤلاء يلحنون و يخطئون. خشي أهل العربية من ضياعها بعد أن اختلطوا بالأعاجم، دوّنوها في المعاجم (القواميس) وأصلوا لها أصولا تحفظها من الخطأ وتسمى هذه الأصول العلوم العربية.
أما عن تطور النحو العربي فقد كتبت فيه البحوث الكثيرة. ولعل من الصواب القبول بتقسيم العصور المختلفة لتطور النحو العربي إلى أربعة عصور رئيسة، هي:
1. العصر السابق لسيبويه، حيث كان الاهتمام متجها نحو توصيل القواعد النحوية.
2. عصر سيبويه وأصحابه: وفيه وضعت علل القياس النحوي، مع اختلاف في أمر القياس بين المدارس النحوية المختلفة.
3. عصر التعليل: ويوصف بأنه عصر الشواذ النحوية والبحث عن العلل لها. ومن روّاده: المبرّد (ت 286هـ)، وثعلب (ت 291هـ)، و أبو علي الفارسي (ت 377 هـ).
4. أما العصر الرابع و الأخير فهو عصر التطوير النحوي على يد العالم اللغوي ابن جني (ت 392هـ)، ومن جاء بعده، أمثال: الزمـخشري (ت 538هـ)، إبن الأنباري (ت 577هـ)، إبن مضاء القرطبـي (ت 592هـ)، وآخرين ساروا على نهجهم حتى يومنا هذا، إذ أصبح همّ العلماء يدور في تنظيم قواعد اللغة العربية وتبسيطها وتيسير أساليب تدريسها.
وقد أخذ بعض المستشرقين على علماء العربية –القدمى والمحدثين- انهم كانوا ومازالوا يستعملون طريقة إبداء الرأي الشخصي، أي على منهج ذهني يقوم على وصف ما يراه النحوي بذهنه، وليس على وصف اللغة وصفا موضوعيا؛ ولذلك فإن الآراء قد تكاثرت والأفكار قد تضاربت. وهم يدعون علماء اللغة العربية إلى إيجاد منطق جديد يمكن من وضع الأسس (الوصفية) لأساليب النحو.

د. مبحث النحو الوظيفي
أن النحو الوظيفي يتركز في الكلمات العربية، وهو مجموعة القواعد التي تؤدي الوظيفة الأساسية للنحو: ضبط الكلمات ونظام تأليف الجمل، ليسلم اللسان من الخطأ في النظق ويسلم القلم من الخطأ في الكتابة. إذن، كان محوار بحثه هو الكلمة العربية المقسمة إلى ثلاثة أقسام: الإسم والفعل والحرف، يطابق بما قاله علي بن أبي طالب، أن الكلام لا يخرج عن إسم وفعل وحرف.

أ‌- الإسم
هو ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، كإبراهيم، وأحمد، وعصفور، وبيت، وماء. وعلامته أن يصح الإخبار عنه: كالتاء من “كتبتُ”، والألف من “كتبا”، والواو من “كتبوا”، أو يقبل “ال” كالمدرسة، أو التنوين كرجلٍ، أو حرف النداء كـ “يا” أيها الناس، أو حرف الجر كأعتمد على من تثق به.
وقد ينقسم الإسم عند النحاة إلى أقسام، منها: إسم الموصوف والصفة، وإسم المذكر والمؤنث، وإسم المقصور والممدود والمنقوص، وأسماء الضمائر المتصلة والمنفصلة، وإسم الإشارة القريبة والمتوسطة والبعيدة، وإسم الموصول، وأسماء الإستفهام، وإسم الكناية، وإسم المعرفة والنكرة، وأسماء الأفعال، وأسماء الصوت، وشبه الفعل من الأسماء التسع (المصدر وأنواعه، و إسم المصدر، و إسم الفاعل، وإسم المفعول، و مبالغة إسم الفاعل، وإسم التفضيل، وإسم الزمان، وإسم المكان، وإسم الآلة.

ب‌- الفعل
الفعل هو ما دل على معنى في نفسه مقترن بزمان، كجاء ويجيء وجئ. وعلامته أن يقبل “قد” أو “سين” أو “سوف” أو تاء التأنيث الساكنة، أو “ضمير الفاعل” أو “نون التوكيد”، مثل قد قام، سيقوم، سوف يقوم، قامت، قمت، ليقومن، أكتبن، وغير ذلك.
فكما في الإسم، كان الفعل ينقسم إلى الأقسام، منها: باعتبار زمانه، ينقسم الفعل إلى ماض و مضارع و أمر؛ باعتبار معناه، ينقسم إلى متعد ولازم؛ باعتبار فاعله، إلى المعلوم والمجهول؛ وإذا لاحظنا الفعل باعتبار قوة أحرفه، ينقسم الفعل إلى الصحيح والمعتل؛ وباعتبار أصلية أحرفه، ينقسم الفعل إلى المجرد والمزيد فيه؛ ومن أقسامه، كان الفعل جامدا و متصرفا؛ وفيه فعلا التعجب؛ أفعال المدح والذم؛ ونون التوكيد مع الفعل.

ج‌- الحرف
الحرف هو ما دل على معنى في غيره أي لا يظهر معناه إلا مع غيره، مثل: هل وفي ولم وعلى إن ومن. وليس للحرف علامة يتميز بها كما للإسم و الفعل. وله ثلاثة أقسام: حرف مختص بالإسم، كحرف الجر، و الأحرف التى تنصب الإسم وترفع الخبر؛ وحرف المشترك بين الأسماء و الأفعال: كحروف العظف؛ و حرفي الإستفهام، هما “هل” و “أ”، وبقية أدوات الإستفهام أسماء.

و. أهداف تدريس النحو الوظيفي
من أهداف تدريس النحو الوظيفي هي:
1) إدراك أهمية النحو في عصمة اللسان العربي من اللحن، حرصا على سلامة اللغة العربية من عبث الباعثين.
2) إدراك موقع النحو من النظام اللغوي العام الذي يدوره يمثل الكيان الإنساني بأوجهه المختلفة.
3) إدراك الصلة العضوية بين النحو الوظيفي وفروع اللغة الأخرى لتحقيق التكامل اللغوي.
4) فهم الدلالة اللغوية واستيعاب بمضامينها الفكرية، مع ما يتبع ذلك من ارتياح لدي القارئ لدوره الاستدلالي في المعاني المتكافئة.
5) تدريب التلاميذ على ضبط لغاتهم، حديثا وقراءة وكتابة، بشكل يتلاءم مع تدرج مستواهم العقلي واللغوي في سلم التعلم التصاعدي.
6) القدرة على اكتشاف الخطأ اللغوي عند مشاهدته- مكتوبا- نظرا، أو سماعه أذنا، أو عند الوقوع فيه عن غير قصد منه. ثم المبادرة إلى تصحيحه، إذا كان الموقف يستدعي ذلك.
7) إثراء ثروة الطلاب اللغوية بما يكتسبوه من مفردات وتراكيب وأنماط، من خلال النصوص التي تستخدم في الدروس والتطبيقات والتمرينات.
8) تنمية القدرة على التفكير السليم، بما يحققه لدارسه من التحليل والتركيب، والاستقراء والقياس.

هـ. الخاتمة
إن معرفة قوانين النحو الوظيفي ضرورة، لا يمكن الاستغناء عنها، فهي التي تجعل دارس اللغة العربية قادرا على التمييز بين الألفاظ المتكافئة.
إن اللغة هي علم تطبيقي: تحصل مهارتها بتوفر التدريب والتطبيق. فالقواعد النحوية دون تطبيق كمثل محاضرات يلقيها متخصص على ناشئين يتعلمون السباحة، يلقيها عليهم، وهو واقف معهم على رمال الشاطئ، فقد يلم هؤلاء الناشئون إلماما نظريا بمهارات السباحة وحركاتها، ولكنهم لن يعرفوا السباحة حقا إلا إذا ألقى بهم في التيار، وأحرزو النجاح مرة، وتعرضوا للإخفاق أخر؛ حتى يتسنى لأجسامهم –بطول الممارسة- أن تشق الماء، وتنساب بين أمواج.
توكيدا لهذا الحال -دون تقليل أهمية تعلم القواعد اللغوية- كثير من الطلبة الإندونيسيين يصعبون في تكلم العربية جيدا، وهذا الحال لقلة تدريبها وتطبيق القواعد في تعلمهم. والمفروض، بجانب تعلم قواعد اللغة، يلزم للدارسين أن يطبقوها ويدربوها في كثير من أوقاتهم الممكنة. والله أعلم بالصواب…

قائمة المراجع

1. الجاحظ، البيان والتبيين، الإستقامة، القاهرة، 1956.
2. حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة، دار الشروق، بيروت، لبنان، 2000
3. صلاح رواي، النحو العربي نشأته تطوره مدارسه رجاله،ص.28، دار الغريب للطبعة والنشر والتوزيع، القاهرة،
4. 2003مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، ط. السادسة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2006.
5. عبد الله جاد الكريم، الدرس النحوي في القرن العشرين، ط. الولى، مكتبة الأدب، القاهرة، 2004.
6. عبد العليم إبراهيم، النحو الوظيفي، ط. الخامسة، دار المعارف، 1982.
7. مححد الطنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، دار المنار، بيروت، 1991.
8. محمد عيد، أصول النحو العربي، عالم الكتب، القاهرة، مصر.
9. نايف محمد معروف، خصائص العربية وطرائق تدريسها، ط. الخامسة، دار النفائس، بيروت، لبنان.